ابن قتيبة الدينوري
49
الإمامة والسياسة ( بيروت )
قال : فأتي به . قال له : انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية ، الّذي قد فتن وفتن ، فاردعه عن قبيح ما دخل فيه ، وعظيم ما أصرّ عليه من حقّ اللَّه ، وحرمة ما انتهك عدوّ اللَّه ، إلى ما في ذلك من سفك الدماء ، وإباحة الحريم ، وإنفاق الأموال ، فإنّي لولا معرفتي بأنك قد حويت علما ، وأصبت فقها ، أخاف أن يكون عليك لا لك ، لعهدت لك به عهدا تقفل به ، ولكن انطلق مرّتك هذه قبل الكتاب إليه ، واحمله على البريد . فخرج سعيد به متوجها ، حتى انتهى إليه . فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب ، تبينت رعشته جزعا منه ، وهيبة له ، وسمع بذلك من كان يتابعه ، وهوى كل ذي هوى ، وضمّ سعيد بن جبير فلم يظهره للناس ، وكتم الكتاب وجعل يستخلي بابن جبير في الليل فيسمر معه ، ويسأله عبد الرحمن الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج ، فأبى سعيد ذلك عليه ، فمكث بذلك شهرا كريتا [ ( 1 ) ] . فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته ، وسارع معه في رغبته ، وخلعان طاعة الحجاج ، ثم إن عبد الرحمن ، تجهز من سجستان مقبلا ، يقود من يقوده من أهل هواه وأهل رأيه ، وخرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام ، وبمن معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل العراق ، حتى لقيه بدير من أديار الأهواز ، يسمى بنيسابور ، فناصبه للقتال ستة أشهر كريتة [ ( 2 ) ] ، لا له ولا عليه ، حتى إذا كان في جوف ليلة من الليالي ، خلا الحجاج بعنبسة بن سعيد بن العاص ، ويزيد بن أبي مسلم ، وعليّ بن منقذ مولاه ، وبعبد الرحمن بن زياد مولاه ، وكان يزيد بن أبي مسلم حاجبه على ما وراء بابه وأما يحيى فوكله بالقيام خلف ظهره ، إذا هو نسي أو غفل نخسة بمنخسه ، ثم قال : اذكر اللَّه يا حجاج ، فيذكر ما بدا له أن يذكر . وأما عبد الرحمن بن زياد ، فكان ذا رأي ومشورة وأدب وفقه ونصيحة . أما عنبسة ، فكان بعيد الهمة ، طويل اللسان ، بدية الجواب ، فأصل الخطاب ، موفق الرأي ، فاستشارهم لما طال به وبعبد الرحمن القتال ، لا يظفر واحد منهما بصاحبه - ومع عبد الرحمن سعيد بن جبير والشعبي [ ( 3 ) ] ، فكان هذا فقيه أهل الكوفة ، وهذا فقيه أهل البصرة - في أن يبيته ، فكره ذلك مواليه ،
--> [ ( 1 ) ] أي كاملا . [ ( 2 ) ] أي كاملة . [ ( 3 ) ] هو عامر بن شراحيل الشعبي ، سمع من 48 من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم . متفق على توثيقه حديثه في الكتب الستة . ترجمته في التهذيب 5 / 65 .